الاثنين، 25 مارس، 2013

هرمت أمى















بيضاء هى فى لون زهره الياسمين، تزين وجهها حمرة فتصير كورده جوريه عانقت ياسمينه طيبه الرائحه عطره ، خضراء العيون وحاده النظره.
لم يكتب لها ربى أن تنال حظا من الحنان بين قسمات وجهها ، ولكنها نالت حظا وافرا منه فى ثنايا قلبها هذا القلب , الطيب , النقى الذى لم يعرف قط الحقد ولا اظنه حمل يوما كرها لاحد.
عهدتها شابه ، مليئه بالنشاط ، لطالما كانت هكذا, مفعمه بالحيويه ، لديها حب شديد وملحوظ للنظافه .هى تنظف باستمرار ، فى كل وقت , فى اى حين ، تتفاجىء بها تحت قدميك تلتقط كسره من الخبز تناثرت اثناء تناولك الطعام.
هى تلك المرأه التى لاتتهاون مطلقا فى ترتيب ونظافه منزلها , تنزعج وتنتفض لرؤيه  "نمله وحيده تعيسه "  تسير على ارض بيتها  ،  تلاحظ دائما خطوط اصابعها على الالواح الزجاجيه منتهكه حرمه الاتربه الراقده عليها  لتصنع بذلك علامات تذكرنى بتلك التى فوق  اوراق النوت الموسيقيه _هذا فقط إن وجدت يوما اتربه على تلك الالواح _.
نعم, هى أمى ...تلك المرأه ..شديده القسوه ..شديده الحنان . المرأه التى لم انظر لها يوما على انها امرأه .
سكنت دائما تلافيف عقلى فى صوره صرح ضخم...جبل صامد!... او ربما مارد عملاق لا يهز كيانه كائنه كنت اقول لنفسى, اتظنين ان تشيخ هذه السيده ؟؟ .. حتى ولو اصبح عمرها الف عام ؟؟؟ .
قضت زهره شبابها وربيع عمرها فى قضاء حوائجى واخوتى, لم تكل يوم , لم تقنط , لم تعتزل او تتقاعص عن خدمتنا .
لم يسمح لى الحظ ان ارث من جمالها الكثير , ولكنى كنت الاقرب منها دائما ,او ربما ظننت انا ذلك ..اوربما  اعطتنى هى هذا الشعور ..لست ادرى , ولكنى مقتنعه بانى الاقرب لقلبها , كنت دائما انا المدلـله و المرفهه .
جرت العاده انه عندما اغضب وسواء كنت انا المذنبه او المجنى عليها ،  ان اذهب لغرفتى واعتزلهم ...قليلا من الدموع و الامتناع عن الطعام , ثم لا يلبث ان يمر  وقت قصير جدا الا واسمع وقع اقدامها , هذه الخطى السريعه المتوتره والحاده , التى تلخص شخصيتها ، تقترب من غرفتى ..أقرب فأقرب...أوضح فأوضح، ارى مقبض الباب يتحرك , ادير وجهى ..اغمض عيناى واغط فى ثبات عميق وكأننى واحده من اصحاب الكهف .
تقترب منى , تلمسنى _ تلك اللمسه الحنونه وكانها قطعه من الجنه تركها الله لاهل الارض لتعينهم على الحياه _. ويدور الحديث:
_ماذا تريدون منى .                                                                                            
_لماذا لم تتناولى الطعام ...هيا يا هديه (هكذا كانت تدللنى دائما )  ...هيا معى.
_لا لااريد الطعام ولا محادثه احد .                                                     
هكذا، ويظل الحديث بين الشد والجذب، والاخذ والعطاء , الى ان تضع قبله ذات طابع خاص على وجنتى وتجذبنى معها بالقوه  .                                                                                           
ذات يوم تشاجرت مع أخى ...غضبت ...وكعادتى ذهبت لغرفتى واغلقت الباب ,وانتظرت ....الوقت يمر ....لم اسمع وقع الخطوات ...ولم تاتى الياسمينه البيضاء, وانتظرت وانتظرت ...لكن  ,  لم تاتى امى , لم تجذبنى من يدى , لم تقبلنى .
حينها تيقنت انه قد جاء اليوم الذى تمنيت طويلا الا يأتى والذى لم اؤمن بوجوده ...ذبلت الياسمينه ...وملأت ثنايا القلب الحنون الهموم واصبح لا يقوى على الشد والجذب و ...و...وهرمت أمى

            هدى كمال














ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق