الاثنين، 27 يناير، 2014

الرباط الموصول


كنت غارقه فى افكارى , عيناى مثبتتان على المفتاح فى يدى وهو يدورليفتح باب شقتى , مُطرقه الرأس , مرتعشه اليدين .. انظر لكن لا ارى ... سمعت اسمى بصوت وقور .. تنبهت ونظرت فى الخلف لأرى جارتى السيده المسنه ذات ال سبعين ربيعا  او ما يزيد تطلب المساعده فى نقل اغراضها التى لا تقوى على حملها الى المطبخ ... اومأت بالموافقه ... فمهما كان ثقل اغراض العجوز لن تكون اثقل من تلك الابتسامه الحزينه  التى حاولت شفتاى رسمها اليوم وانا اودعه بوجه شاحب  وقلب يدمى ... انتهيت من وضع الاغراض وهممت بالرحيل ,فبادرتنى بدعوه لشرب القهوه  , كنت اعلم انها تحتاجها لتؤنسها لبعض الوقت ولكن مالم تعلمه هى اننى كنت بحاجه لهذه الدعوه اكثر منها بكثير , فأجبت بالقبول ولم اتردد.
وبينما نعد القهوه , وقعت عيناى على حامل صور به  صورتان , احداهما لرجل مسن والاخرى لشاب فى مقتبل العمر ... انا لا اعلم عن جارتى الكثير ولم يسبق لى ان تبادلت معها الحديث , فكل ما يجمعنا هى الابتسامات ولا غير , قلت بصوت لم يتعد شفتاى ترى هل هذان هما من اظن ؟
اجابت السيده بابتسامته هادئه وكأنها قرأت ما بداخلى ... زوجى وولدى ...وأشارت برأسها الى الصورتان ثم اكملت : كنت ابنه الثمانية عشر حينما اتى ذلك الشاب الثلاثينى ليتزوجنى , فارق زمنى كبير لكنه لم يؤرقنى فكان حلم تأسيس اسره ومنزل يفوق كل الفوارق فى نظرى , وبعد عشر سنوات من السعى والجهد رزقنى الله ب أحمد ولم يأذن لى بغيره , حياه هادئه , روتينيه بعض الشىء يداهمها الملل ويكاد يغمرها ثم ما يلبث ان ينحسر عنها , تماما كالمد والجزر ... مضت السنين , ومع رحيل يوم وقدوم آخر كنت ازداد حبا لولدى وتعلقا بوالده ... كانو هم حياتى او كذلك ظننت , لم افكر قط فيما بعد... وما قد تحمله الايام , حتى ذلك اليوم ... عندما رن الهاتف ليخبرنى صوت صديق لأحمد انه تعرض لحادث سير وقد انتقل الى الرفيق الاعلى , وفى المساء كان والده على الموعد إثر ازمه قلبيه , هكذا ودعنى احمد ووالده  , رحلو عنى بكل بساطه .
سرت رعشه فى اوصالى عندما رددتُ جملتها الاخيره بداخلى .." بكل بساطه" .. نعم .. هو ايضا رحل عنى اليوم بنفس الطريقه... لم اجادله , لم اسأله , فقط تركته يذهب بل وابتسمت ! واحسست بألم يملأ صدرى ويمتد إلى حلقى فيصب فيه طعم المرار ...ثم تنبهت الى صوتها : ها وقد انتهينا من عمل القهوه , فلنجلس بالخارج لتناولها
وفى الخارج ساد الصمت لبرهه , فبادرتها خشيةان يحيد النقاش عن مضماره : وماذا بعد الرحيل ؟ , فى الواقع لم أكن اسألها هى ولكننى كنت اسأل نفسى , وماذا بعد , كيف الحياه وما العمل؟
اكملت حديثها بنظره واثقه وصوت راسخ على نحو لم اتوقعه :  لم اكن لا تخيل الحياه دونهما , لكن ما حدث هو اننى اجلس معكى الآن . .. وما بين ذلك اليوم ويومى هذا  وُلِدت الكثير من المشاعر لكن دأبها كدأب الحياه مصيرها المحتوم هو الفناء .. نحن نولد لنموت .. كذلك الآهات والضحكات , تبدأ لتنتهى وكلٌ بميقاته.... كُتِب على جبين الحياه "من المحال ان يدوم  الحال" , انتى تبكين اليوم لتضحكين فى الغد وتفقدين اليوم لتغنمين فى الغد ... قد تخسرين ما تظنين انه لا يحُتمل فراقه ولكن مع الصبر يأتى الفرج وتتنزل الرحمات وتشعرين _ وإن كنتى لن تصدقى ما سأقول _ أن بفقدك اكتسبتى المزيد , يأخذ الله منا ما نحب ليُمحص قلوبنا ثم يسكب فى القلوب الواثقه بحكمته رضاه وحبه فيجعلك تذوبين عشقا فى حضرته ويفتح بصيرتك وليس بصرك على ما هو ابعد واعمق ليريكى الحقائق .. فلا تعودى تشعرين بالوحده ولا بالاشتياق ولا القنوط ..فقط الطمأنينه ولا غير .. ويتعجب من حولك ويمصمصون الشفاه على ما اصبحتى عليه من الوحده والحرمان وتتعجبين انتى من انطماس بصيرتهم  وضعف ايمانهم , مسكين من لم يعرف الله ويأنس بقربه .. مسكين من ينتظر الأمان من آخر مثله يطلبه هو ايضا ... مسكين من يظن ان العشق يمكن ان يكون لغيره أو أن يكون بغير حضرته .
"ابنتى" _قالتها بِحُنوّ بالغ وكأنها تعلم ما بداخلى من أسى _ , إن كانت هذه مشيئته فسيكون امامك متسع من الوقت ...ستتزوجين وتنجبين تحبين وتنفرين...ستعيشين حياه كامله تتبدل خلالها المشاعر الآف المرات فى دوائر لا متناهيه وقد تجمعين داخلك الضدين , هذه هى سنه الوجود التى اختارها لنا .. لكن اياك ان تضلى الطريق أو ان تُفلِت أناملك الحبل فى زحام الحياه...كونى دائما على صله به وجددى معه العهد كل يوم... حينها فقط ستتعلمين الثبات وسط امواج الحياه , لانك دائما ممسكه بالميثاق الذى بينك وبينه....واعلمى بإنه من المحال ألا يحن الشىء إلى اصله, وكذلك نحن  ... خُلِقنا من روحه وسكن أبونا إلى جواره ومن الجوار هبطنا وإليه نعود... فمن ينكث العهد  ويقطع الوصال فلن يجد الا التيه .

انتهت القهوه , لكن لم ينتهى عبير الكلمات التى تناثرت يومها على حواف القِدح .... اليوم انا زوجه وأم لطفلين ... لا انكر ان حبى لهم يملأ قلبى ولكن يظل هو دائما وابدا العشق الاول والاخير .  
هدى كمال